المحقق البحراني

16

الحدائق الناضرة

ثم إنهم قد اختلفوا أيضا في أنه على القول بأفضلية النكاح لمن تتق نفسه إليه هل هو أفضل من التخلي للعبادة ، أم التخلي للعبادة أفضل ؟ قولان : والمفهوم من الأخبار المتقدمة هو الأول ، سيما الأخبار الأخيرة الواردة في ترهب عثمان ابن مظعون واختياره الصلاة على النكاح . والأخبار الدالة على ذم العزاب ، والأخبار الدالة على أن ركعتين يصليهما متزوج خير من عزب يقوم ليله ويصوم نهاره ، فإنها دالة بعمومها أو إطلاقها على أفضلية النكاح ، تاقت نفسه أم لم تتق ، إذ لا تفصيل فيها . احتج من قال بالقول الثاني بما يتضمن التزويج من القواطع والشواغل وتحمل الحقوق . أقول : لا ريب أن هذا القول إنما يتجه على قواعد الصوفية ، المعرضين عن العمل بالأخبار المعصومية ، المبنية قواعد مذهبهم على مجرد الاختراعات الوهمية ، والخيالات الفكرية ، وإلا فلا يخفى أن القول بهذا القول موجب لرد تلك الأخبار المتكاثرة بمجرد هذه الخيالات الفاسدة . والآمر بذلك عالم بما يترتب عليه من هذه الأمور المذكورة ، ومع ذلك حث وأكد عليه أتم الحث والتأكيد ، وليس إلا من حيث رجحانه وأفضليته ، وأن هذه الأشياء موجبة لزيادة الأجر فيه . وفي بعض الأخبار ( 1 ) أن أصحاب عيسى على نبينا وآله وعليه السلام كانوا يمشون على الماء ، وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يكونوا كذلك ، فقال عليه السلام ، " إن هؤلاء ابتلوا بالمعاش " ، وحاصله أن هؤلاء كلفوا بتكاليف شاغلة لهم عن نيل تلك المرتبة ، ومن الظاهر ثبوت الأمر على هذه التكاليف ، وأن مرتبتهم في الفضل لا ينقص عن أولئك ، فأولئك لتجرد نفوسهم بالرهبانية التي كانوا عليها ، والسياحة والتخلي عن الدنيا بكليتها نالوا تلك المرتبة .

--> ( 1 ) الكافي ج 5 ص 71 ح 3 ، الوسائل ج 12 ص 12 ح 10 .